عفيف الدين التلمساني
91
شرح مواقف النفري
التفكر على طريق الاعتبار ، فإن ذلك صحيح لكن لطالب الجنة ، وأما طالبو الحقيقة فحرام عليهم الفكر ، وقد علمت أن طريق اللّه تعالى غير طريق الجنة ، وإن حصلت الجنة فهي بطريق التبع والضمن ، وقد ورد عن بعض الأكابر وقد طلب منه تلميذ له أن يأذن له في زيارة أمه ، فقال له الشيخ : يا ولدي ، إن كنت إنما تريد الجنة فالجنة تحت أقدام الأمهات ، وإن كنت إنما تريد طلب اللّه تعالى فعندي فقط ، ففرق الشيخ بين طلب الجنة وبين طلب الحق تبارك وتعالى ، وإذا تقرر هذا ، فالسالك في طريق الحق تعالى شأنه أن يبقي الخواطر . فنعود ونقول : إن الواقف ينفي المعارف التي هي غاية العارف ، كما ينفي الخواطر المعلوم وجوب نفيها ، وما ذاك إلا لما تصحب المعارف من بقايا ملاحظة السوى ، والوقفة لا تقبل السوى . قوله : ( وقال لي : لو انفصل عن الحد شيء انفصل الواقف ) . قلت : معناه أن الشيئيات إنما تتشيأ ، والماهيات إنما تتمهيأ بالحدود ، فكل شيء - إذن - له حد ، ولما كانت الوقفة تنفي الحدود ، وانتفى عنها كل حد إلا حدها وهو القدر الذي به تمتاز وهو حقيقتها والجزء الخاص لها ، وذلك لا يمكن نفيه ، وإلا لم يكن شيئا مذكورا ، وهي مرتبة تذكر ، ومنزلة تعمر ، غير أنها أبسط المنازل ، وآخر ما يبقى من معارج الطارق والنازل ، فإذن كادت الوقفة أن تنفصل عن الحد ، ولو انفصل شيء عن الحد ، كانت الوقفة ذلك المنفصل - لما ذكرناه - وحدها هو السلب لقبول الحد . قوله : ( وقال لي : العلم لا يحمل المعرفة أو تبدو عليه ، والمعرفة لا تحمل الوقفة أو تبدو عليها ) . قلت : معناه ليس في العلم مقدمات تنتج المعرفة ، وأهل العلم بأجمعهم لا يحملون أهل المعرفة في قول ولا في فعل ، فإذا بدت المعرفة في قلب العالم بطريقة موهبة ، أقر بالعلم النافع ، وأرشده إلى الحكم ، وانتقل العالم إذ ذاك عن مرتبة العلم إلى مرتبة المعرفة ، فرآه العلماء عندهم ، ولم ير أحدا منهم عنده ، ثم إن العارف في نفسه أيضا لا يحمل الوقفة إلى أن يبدو عليه فتنقل عن المعرفة إلى الوقفة بمحو ما بقي فيه من رسمه وحينئذ يراه كل عارف عنده ولا يرى هو عنده أحدا .